تعلم اللغة ولا تتعلم باللغة

تعيش المجتمعات العربية في العصر الحديث أخطر أزمنتها التاريخية، وتتجلى هذه الخطورة في إحلال اللغة الأجنبية محل اللغة العربية في التعليم الأساسي والجامعي وفي الإدارة ومناحي الحياة المختلفة. وما يؤلم الإنسان ويجعله يشعر بمرارة الواقع أن تكون الدعوات إلى إحلال اللغة الأجنبية تأتي من أبناء اللغة أنفسهم بحجة أن اللغة العربية غير قادرة على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي.

تعلم اللغة ولا تتعلم باللغة

هل سألت نفسك يوما لماذا يكمن الإبداع عند الغرب في كافة علوم ومناحي الحياة بينما لا يتوفر هذا الإبداع – إلا الشيء اليسير – عندنا نحن العرب؟ طبعا، فارق الإمكانيات والتكنولوجيا هو سبب واضح ومعلوم. لكن أنا أحدثك عن ابداع حتى في المجالات التي لا تحتاج إلى تطور تكنولوجي.

فمثلا، في مجال كرة القدم، نرى الابداع في الخطط والتدريبات وابتكار تشكيلات وغيرها من فنون اللعبة يأتي دائما من الغرب. ولم نسمع مثلا أن تشكيلا جديدا أو مهارة جديدة تم إبداعها عندنا ونقلها الغرب عنا. رغم أن كرة القدم لا تحتاج -بشكل أساسي - إلى تفوق تكنولوجي أو أدوات متطورة. والإمكانات المادية بيننا وبين الغرب فيها تكاد تكون متماثلة.

الإنسان لا يستطيع التفكير إلا بقدرة لغوية، كما أنه لا يستطيع التلفظ بكلمات إلا إذا فكر بها

قِس على هذا باقي المجالات. فمثلا في الطب، يأتي الإبداع دائما من الغرب في أساليب العلاج الحديثة والإجراءات الطبية المبتكرة. رغم أن عالمنا العربي مليء بالأطباء العظام الذين ذاع صيتهم في العالم كله مثل "د. مجدي يعقوب". فالأطباء العرب مشهود لهم بالمهارة والدقة والتمكن من أكثر العمليات تعقيدا وخطورة يتفوقون حتى على الكثير من نظرائهم الأجانب. وبالرغم من ذلك نجد أن الإبداع في علوم الطب تكون دائما عند الغرب. وستجد ذلك مكررا في جميع العلوم الأخرى مثل الهندسة وغيرها، حتى تلك التي لا تحتاج إلى إمكانات تكنولوجية متطورة.


اللغة والحضارة

اللغة ليست مجرد كلمات ننطقها لنتواصل مع بعضنا البعض وننقل معها أفكارنا ومشاعرنا. اللغة لها دور رئيسي في تشكيل وعى الإنسان وطريقة تفكيره. فطبقا لفيجوتسكى*: " للغة وظيفتين مختلفتين لهما نفس المستوى من الأهمية. أولهما، الاتصال الخارجي للإنسان مع بقية أبناء جنسه من البشر، والثانية، التحكم الداخلي بأفكاره الداخلية".

اللغة هي التي تشكل هوية الأمم والشعوب وهي العمود الرئيسي لبناء أي حضارة. فالحضارات القديمة كلها ما قامت ولا ازدهرت إلا بعد الاهتمام باللغة وجوانبها من كتابة وأدب وترجمة. وكثير من الأمم ظلت طوال تاريخها بلا حضارة لأنهم لم يكن لهم لغة تجمعهم وتشكل هويتهم.

اللغة هي التي تتحكم في تفكير الإنسان الذي يقود بدوره إلى الإبداع. فالعلاقة الدينامية بين اللغة والتفكير تقوم على التأثير والتأثر، فالإنسان لا يستطيع التفكير إلا بقدرة لغوية، كما أنه لا يستطيع التلفظ بكلمات إلا إذا فكر بها.

كيف يفكر العقل الباطن ويبدع في علوم لا يعرف مصطلحاتها أو تعابيرها باللغة التي يعمل بها؟

غالبا ما يكون العقل الباطن هو المسؤول عن التفكير العميق والتأملات التي تقود الإنسان إلى الملاحظة والابتكار والإبداع. والعقل الباطن يفكر بلغته الأم، وهي اللغة الأولى التي يكتسبها الإنسان منذ ولادته ومع احتكاكه مع أبوية وعائلته. فإذا كانت هذه اللغة قاصرة أو ضعيفة، فسيحُد ذلك من قدرة الإنسان على التفكير والإبداع. فقد أثبتت الدراسات أن اللغة لها دور رئيسي في كيفية اختبار الإنسان للحياة من حوله وتعرفه على الأمور. فمثلا، قوس قزح عند الإنجليز به سبعة ألوان، لكن شخصا روسيا قد يخبرك أنهم ثمانية حيث أنهم يطلقون على الأزرق الفاتح والداكن اسمين مختلفين. وإن كنت تتحدث لغة ليس بها مصطلح للّون الأزرق فقد لا تراه من الأساس ولن تفرقه عن الأخضر مثلا. أيضا، قد لا تسمع أذناك حرفا هجائيا في كلمة ما في لغة أجنبية إن كانت لغتك الأم لا تحتوي على هذا الحرف.

ولأن اللغة - كما ذكرنا - هي المفتاح الرئيسي لتفكير الشعوب، أهتم المستعمرون على مر الزمان بالتحكم بلغة الشعوب المستعمَرة وتهميشها إن لم يكن القضاء عليها تمام واستبدالها بلغتهم هم. ونتيجة لذلك تصبح الشعوب المهزومة عاجزة عن التفكير الإبداعي وتظل هذه الشعوب تعيش تابعو لهذا المحتل تنقل عنه خبراته وما ينتجه هو من العلوم وتكون شعوبا مطبقة فقط غير مبدعة. فحتى لو برعت في التطبيق والتقليد، إلا أنها لن تتفوق أبدا على المستعمِر الذي يمتلك الإبداع.

فقديما قالوا: "إذا أردت أن تحكم قوما ً، فاحكم لغتهم، فإنك إن حكمت لغتهم حكمت تفكيرهم ووجودهم". فالقوة العسكرية لم تعد وسيلة المستعمِر الوحيدة في السيطرة على الشعوب ونهب ثرواتها، وإنما اتخذ فلسفة جديدة من خلال الاستلاب اللغوي الذي يقود إلى استلاب فكري يؤدي إلى مسخ شخصية المستعمَر، ويجعله تابعا ً في التفكير والتعبير مقلدا غير قادر على انتاج المعارف والعلوم وإنما مستهلك لعلوم الآخر ومعارفه وإنتاجه.


اللغة العربية

اللغة العربية هي لغتنا الأم، بالتالي هي لغة عقولنا في التفكير والإبداع، إلا أنها - وللأسف الشديد – ليست اللغة الأساسية في التعليم. تقريبا، كل البلدان العربية تعتمد اللغة الإنجليزية وأحيانا الفرنسية كلغة التعليم الأساسية. حيث يتعلم الطلاب جميع المواد العلمية من رياضيات وكيمياء وفيزياء وغيرها بلغات غير لغتهم الأم. ولهذا تأثير خطير ومدمر على قدرة أبناءنا الإبداعية. فعقلهم الباطن يتحدث بلغة مختلفة عن تلك التي درسوا بها، فيشكل ذلك عائقا منيعا أمام التفكير والابتكار. فكيف يفكر العقل الباطن ويبدع في علوم لا يعرف مصطلحاتها أو تعابيرها باللغة التي يعمل بها؟ مستحيل.

لم يكن تقهقر اللغة العربية في العصر الحديث نتيجة ضعفها، وإنما يكمن العجز في قدرات أهلها على تجديد مفردات اللغة وتطويعها وفق معطيات العصر وتقدمه العلمي والتكنولوجي، واقتصرت النظرة إلى العربية على أنها لغة أدب وشعر وليست لغة علم وتكنولوجيا.

كان من الأوروبيين من يرى أنه لا يمكن دارسة العلوم إلا باللغة العربية لأنها لغة العلوم

لا يمكن للعرب الانتقال من مرحلة الاستيراد والتبعية إلى مرحلة الخلق والإبداع في التفكير والتعبير والإنتاج العلمي إلا بلغتهم وعبر ثقافتهم الممتدة في الجذور، لأنه لا يمكن تحقيق تقدم ثقافي وحضاري بمعزل عن اللغة الأم.


الحضارة العربية

تمتلك اللغة العربية من الإمكانات ما يجعلها لغة علم وتكنولوجيا، فهي قادرة على التفاعل مع اللغات الأخرى، والانتقال من مرحلة الاتباع إلى مرحلة الإبداع، ومن مرحلة الترجمة إلى مرحلة الإنتاج المعرفي والابتكار.

وقد كانت الحضارة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي - في العصور الوسطى لأوروبا – خير مثال على ذلك. فقد قام العرب بنقل كل علوم الحضارة الغربية القديمة مثل الرومانية والإغريقية وأشهر علماءها كأفلاطون وأرسطو، وقاموا بترجمتها وتعريبها إلى لغتهم الأم، ومن ثَم تمكنوا من الإبداع والإضافة عليها وإقامة منارة ضخمة للعلم والحضارة في الوقت الذي كانت أوروبا غارقة فيه في مستنقع الجهل والخرافات. وتعد "دار الحكمة" التي أسسها الخليفة "المأمون" في بغداد أشهر وأكبر المراكز العلمية التي قادت تلك النهضة وتوافد إليها العلماء من كل الأقطار.

فالقضية المثارة حول تعريب التعليم الجامعي والبحوث العلمية اليوم كانت مُثارة في أوروبا قبل ثالثة قرون بصورة عكسية، فقد كانت كتب الطب العربية هي التي تدرس في الجامعات الأوروبية، وكان هناك من العلماء الأوروبيين من يرى أنه لا يمكن دارسة العلوم والرياضيات والفلك والطب إلا باللغة العربية لأنها لغة العلوم. وكانوا يطلبون تلك العلوم في الجامعات العربية في غرناطة وقرطبة كما يحدث اليوم بالنسبة إلى العرب الذين يطلبون العلم في الخارج، وهم الذين يرون استحالة دارسة العلوم باللغة العربية، لأنهم تعلموا في بلاد أخرى ولقنوا ما لقنوا بلغة أجنبية.


ختاما

إن اللغة هي عقل الشعوب ومحرك الإبداع. وبدون الانتماء إلى لغة قوية، لن تُبنى الحضارات ولن تتحر الشعوب من قيود مستعمريها، وستظل دائما تابعا مقلدا له. وعلى الشعوب العربية أن تنهض من جديد بإحياء حركتي الترجمة والتعريب ونقل العلوم إلى العربية وجعلها اللغة الأساسية في التعليم الأساسي والجامعي.

يجب أن يكون تعلم اللغات الأجنبية كالإنجليزية والفرنسية متقصرا على تعلم اللغة نفسها ومفرداتها وتعابيرها. لا أن تكون لغة التعليم الأساسية.

ولهذا نقول: "تعلم اللغة، ولا تتعلم باللغة"

  • * فيجوتسكى: عالم نفس سوفييتي، له أعمال مؤثرة في العلاقة بين اللغة والفكر، وتطور اللغة.
  • * مرفق دراسة رائعة بعنوان "اللغة العربية بين التفكير والتعبير"... يمكنك تنزيلها من المرفقات

لا تنس أن تشاركنا رأيك بالتعليق والإعجاب . وأيضا، إعادة نشر المقال مع أصدقائك

الملفات

Share

ما هو رد فعلك؟

إعجاب إعجاب 2
لم يعجبنى لم يعجبنى 0
أحببته أحببته 2
مضحك مضحك 0
غاضب غاضب 0
حزين حزين 0
نجاح باهر نجاح باهر 0